يخوض فان دام (دكتوراه في الادب ومدرس تاريخ في جامعة امستردام, ولاحقا سفير هولندا في عدة دول عربية وغربية وسواها) في كتابه “الصراع على السلطة في سوريا- الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة” (والذي كان اصلا رسالته لنيل الدكتوراة) في دور الطائفية في تشكل النظام السياسي السوري. اما عن دور الاقليمية والعشائرية فيبدو ان دورها هامشي في ذات السياق.

نيقولاس فان دام
يبدو كتابه منحازا الى البعث فهو لا يميز بين حزب الطليعة وبين الاخوان المسلمين, مع ان هناك فرقا واضحا بين خطاب الاثنين في ذات البيانات المنشورة في كتابه. فالاولى تصف في بياناتها العلويين بالنصيريين الكفار, فيما تؤكد الثانية على انهم مواطنون متساوون. كم انه يستدل من وصف السنّة للعلويين بالكفر بان هذا دليل احتقار لهم, مع ان هذا حكم شرعي لا سياسي. واخيرا فانه يقصر وصف التطرف على الاخوان المسلمين!!
ينص طرحه على ان عدة العوامل متداخلة تؤثر على الصراع على السلطة السياسية في سوريا, وليس فقط العامل الطائفي:
- طائفية
- اقليمية
- عشائرية
- الصراع بين المدينة- الريف
- الحرب الطبقية
ويصعب الفصل بين هذه العوامل لتداخلها الشديد:
- فالطائفية تتداخل مع الاقليمية كون الاقليات تتركز في مناطق محددة من سوريا.
تم الحفاظ على الاختلافات الدينية والعشائرية واللغوية بسبب التكوين الجغرافي (جبل الدروز, وجبال النصيرية) الذي يحول دون التواصل السهل مع باقي مكونات الامة, وقد اختارته الاقليات لحماية نفسها من السلطة المركزية للدولة. - كما ان العاملين معا يتداخلان مع العامل العشائري.
- وبما ان الاقليات السورية (وبالذات العلويين والدروز) كانت تقطن في الريف او في المناطق الجبلية النائية عن السلطة المركزية لحماية نفسها من ذات السلطة فان هناك تداخلا بين العوامل اعلاه وبين الصراع بين المدينة الاكثر تحضرا وسعة في المال والعلم- والريف المتخلف الفقير.
============================================================
تشكل الوعي الوطني في سوريا
كان السوريون في العهد العثماني يعرّفون انفسهم بناء على هويتهم الدينية لا القومية, مما سهّل اندماج القوميات, وحال دون اندماج الاديان. كان تعصب السنة موجها نحو “المذاهب الضالة” مثل العلويين والدروز, مع تسامح نسبي مع اهل الكتاب من اليهود والنصارى. لم يكن الصراع على المحور الديني- العلماني, بل الطائفي.
وهذا يتناقض مع الاقتباس لمؤرخ في ذات الكتاب
البرت حوراني:
“كانت الإمبراطورية العثمانية تتألف من عدد كبير من المجموعات المحلية العشائرية واللغوية والدينية،
التي تشكل في مجموعها جاليات مغلقة ٠ وقد كان كل منها بمثابة “عالم” يقتصر على أعضائه ويطالبهم بولائهم
المطلق ٠ وقد تلامست هذه العوالم دون أن تختلط ببعضها البعض، فكان كل منها ينظر للآخر بعين الشك
والريبة، وربما الكراهية ٠ وكانت معظمها يغلب عليها الركود وعدم التغيير والمحدودية ٠ أما عالم أهل السنة، رغم
تمزقه بشتى أشكال التشقق الداخلي، إلا أنه ظل يتمتع بشيء من الشمولية والشعور بالثقة وروح المسئولية التي
كان يفتقدها الآخرون”
ولمست صدق النص المبرز اعلاه بالاحمر عند حديثي مع السوريين السنّة الذين “تفاجؤوا” من وحشية العلويين في هذه الثورة. فيما رفض جميع العلويين التواصل معي (سوى حالة شاذة واحدة). وثقة السنّة بنفسهم امر مفهوم لان السنة اكثرية.
وفي القرن التاسع عشر تحولت الدولة العثمانية الى “الرجل المريض”. واخذت الدول الغربية تبسط نفوذها داخل الدولة العثمانية تحت ذريعة حماية الاقليات مستغلة الاقليات كرأس جسر للتغلغل في الدولة العثمانية:
- فرنسا “تحمي” موارنة في لبنان (انذاك لم تكن لبنان سوى جزء من الشام)
- روسيا “تحمي” الروم الارثوذوكس. وانقطعت العلاقة عام 1917 مع الثورة الروسية مما ساهم في دخول الروم الارثوذكس في التيار القومي العربي.
- بريطانيا “تحمي” الدروز واليهود.
اثار هذا التدخل السافر الدولة العثمانية واهل السنة ضد الاقليات في سوريا. وبعد وقوع سوريا تحت الانتداب الفرنسي, قامت فرنسا بالتحريض الطائفي, ومنح الطوائف دويلات خاصة بها (العلويين, الدروز) وكانت مستقلة عن الجمهورية السورية, اما الاكراد فلم يحصلوا على دولة مستقلة بسبب التواجد المسيحي في مناطقهم.
وعندما نسمع الان من ذات الدول (فرنسا, روسيا) عن حماية الاقليات فانهم لا يقصدون سوى اعادة تقسيم سوريا..
تم تحت الانتداب الفرنسي تلوين فصائل تابعة للقوات الخاصة للشرق الادنى لقمع الثورات السورية بلون طائفي: علوي , درزي اكراد شراكسة. الامر الذي زاد من الهوة بين الاقليات والاكثرية السنية.
لذا، “فعندما نالت سوريا استقلالها عام 1946 كانت دولة في كثير من النواحي دون أن تكون أمة، فكانت كيانًا سياسيًا دون أن تكون مجتمعًا سياسيًا” بسبب الهوة اعلاه, وبسبب عدم وضوح الحدود السياسية للدولة الوليدة بعد اقتطاع لبنان والاردن وفلسطين, والاسكندرون.
بعد الاستقلال بدأت تتشكل الهوية الوطنية السورية بسبب:
- تطور الاتصالات والمواصلات
- الهجرة الداخلية وخصوصا من مواطن الاقليات على هامش الدولة الى المدينة. ومن الجبل (النصيري, الدرزي) الى السهل.
- الإنتشار الواسع للتعليم منذ عهد الاستقلال وتوحيده على المستوى الوطني.
- ادى التمدن إلى إضعاف الروابط الأسرية والعشائرية.
التركيبة السكانية لسوريا

- السنّة:
يشكل السنيون الأغلبية في كافة المحافظات السورية بإستثناء اللاذقية والسويداء. - العلويين:
يتركز العلويون في اللاذقية بنسبة 62.1% .ويشكلون 75% من العلويين في سوريا.”هاجر العلويون في عهد البعث الى ريفي حمص وحماة والسهول المنخفضة والمدن. ادت هذه الهجرة لتقهقر الاسماعيليين”
لم افهم لماذا تقهقر الاسماعليون امام العلويين… هل كانت بينهم مناوشات؟!؟!؟ - الدروز:
يتركزون في السويداء بنسبة 87.6% ( فيما تبلغ نسبة السنّة في ذات المحافظة 2% من عدد سكانها) - الاسماعيليون والروم الارثوذوكس:
يتركزون في محافظة حماة حيث يشكل السنيون غالبية السكان بنسبة 64،6 ٪، فيما تبلغ نسبة الإسماعيليين فيها 13.2% والمسيحيين الروم الأرثوذكس 11 ٪ ويتركزون في المناطق الريفية المحيطة بعاصمة المحافظة. ومعظم الإسماعيليين السوريين يتركزون في منطقة السلمية ومنطقة مصياف،

العلاقة بين المدينة والريف
- المدينة- سنيّة واكثر تحضرا وغنى
- الريف- الاقليات, اكثر فقرا
لقد استغلت المدينة السنية والساحل: الريف الاقلوي , فكان الاقطاعيون المدنيون والساحليون يستغلون المزارعين في الريف ويشغلونهم في ظروف اشبه بالعبودية. كان هذا الحال في جبال النصيرية وفي ريف حماة والساحل. وفي حين استغل الاقطاع السنيّ في حماة والساحل: العلويين, استغل الاقطاع العلويون (عائلات: كنج, عباس, مرشد) في جبال النصيرية انفسهم فقراء العلويين.
ادى هذا الاستغلال الى شعور بالتضامن بين العلويين الساحليين والمسيحيين (كما فهمت من كتاب اخر فان المسيحيين كانوا اكثر ثراء وتعليما من السنّة بسبب دعم الغرب لهم قبل الاستقلال). ولكن على ما يبدو ان عامل الاقلية هو ما ادى لهذا التقارب. يجدر ان احد السوريين اخبرني ان الزواج بين العلويين والمسيحيين اكثر من نظيره مع السنّة. ولعل هذا هو احد الاسباب, اضافة لمحافظة اهل السنة وتمسكهم بدينهم.
القيادات العلوية
“لمعظم العشائر العلوية رؤساء دينيون (الشيوخ أو رجال الدين) يتمتعون بنفوذ ديني وإجتماعي كبير على رجال العشيرة، وإن كان أقل من نفوذ زعيم العشيرة. وفى بعض الحالات كان لهؤلاء نفوذ قوى يصل إلى حد إضعاف سلطة زعماء العشائر وحرمانهم من مؤيديهم، بل وأيضًا إستبدالهم. وكثيرًا ما كان زعماء العشائر الدينيون والسياسيون ينتمون لعائلة واحدة”
هذه لم افهمها لاني فهمت من قراءاتي السابقة حول العلويين انهم يعارضون تشكيل مرجعية دينية لهم. ونفوذ رجل الدين العلوي لا زال غامضا بالنسبة لي.
“تقسيم العلويين عشائريًا إلى أربعة إتحادات: الخياطين والحدادين والمتاورة والكلبية. انشق عنهم الحيدريون والمرشديون ولكن المرشديين عاد قسم منهم بعد وفاة المرشد”
ايضا هنا لم افهم ماهية هذه الاتحادات وكيف تشكلت وما هي مهامها واهميتها وان كانت تاريخية ام لا زالت الى يومنا هذا. وبالنسبة للمرشديين فلا زال هناك الكثير من الاسئلة حول عددهم, وشكلهم الحالي بعد موت اخر زعيم ديني لهم (ساجي المرشد) في 1998.
السويداء- جبل الدروز
يتشكل دروز السويداء من دروز:
- هاجروا من لبنان مع مسيحيين ولهم لهجة وزي وعادات مشتركة.
- اصليين في الجبل
لم تعاني السويداء من ثنائية المدينة- الريف. وتمتعت بتجانس طائفي اكبر. لكن هذا يعني ان اقطاعا درزيا (ال حمدان)عاملوا دروزهم كالعبيد وفي عام 1868 انتقلت الزعامة لال الاطرش وثار عليها الفلاحون الدروز عام 1890
============================================================
تاريخ حزب البعث
ادى ضعف الهوية الوطنية السورية (للعوامل المذكورة في اعلى المقال) مقابل تماسك الولاءات الطائفية (وبدرجة اقل العشائرية, واقل منها الاقليمية) وتطابقها مع:
- ثنائيات المدينة السنية الغنية- الريف الاقلوي الفقير
- التناقض بين الطبقات الاقتصادية
الى تعثر السياسة السورية وانحصارها في اطار اقليمي جد ضيق. واخذ الفرقاء السياسيون ينفّسون عن هذه التناقضات الاجتصادية من خلال قنوات طائفية.
وعلاوة على هذا فان السياسة الداخلية عانت تحديات جمة:
- احزاب سورية عكست مصالح اقليمية
حيث ان السعودية ومصر كانت تمول احزابا سورية تتماثل مع سياساتها. - مؤيدي احزاب معينة تركزوا في مناطق بعينها.(كما سنفصل ادناه)
- تكونت الاحزاب السياسية من خلال قنوات اجتماعية (حزب البعث, الحزب الشيوعي). اي عن طريق:”صديق يجنّد صديق”.
في هذه الاجواء تشكل حزب البعث..
تاسس حزب البعث في دمشق 1940 على يد ميشيل عفلق (روم ارثوذوكس, دفن 1989 كمسلم في بغداد) وصلاح الدين البيطار (سنّي). كلاهما من الطبقة الدمشقية البرجوازية ويدرّسان في ذات المدرسة ومنها جندوا الاعضاء الاوائل.

عفلق يمين الصورة, البيطار
كيفية انتشار البعث في الريف والجبل الدرزي:
- كان الاعضاء الاوائل من طلاب الريف القادمين لدمشق للدراسة, ومعهم انتشر البعث في الريف عند عودتهم.
- حسب العلاقات الشخصية وبالذات في جبل الدروز بسبب علاقات عفلق الشخصية مع عائلات درزية.
اما في دمشق فلم يجد البعث موطئ قدم له.فقد كان كل المنتسبين له بين 1940-1955 من القرويين الطلاب القادمين لدمشق للدراسة.
اسباب ارتفاع نسبة الاقليات في حزب البعث:
- ” لم يساهم البعد الاشتراكي في البعث لانضمام الاقليات له بل بعده العلماني” (كما هو حال الاحزاب الشيوعية), لسعي الاقليات لتحييد دور دين الاكثرية في السياسة الداخلية, والذي يمنح اهل السنة افضلية عليهم. وهذا سبب علمانية الاقليات في فلسطين وسوريا.
- لسكن الاقليات في الريف العلوي الذي عادت منه النخب الدارسة في دمشق .
الصراحة ارى ان هذا البند يتعارض مع الجزء الاول من البند الاول, فالاشتراكية تدغدغ الفقراء. كما هو حال الطلاب الدارسين في دمشق. - الوعي الطائفي الاعلى لدى الاقليات كونها ترى نفسها مهددة من الاكثرية.
- حال انضمام الريف الاقلوي للبعث في بواكيره دون انضمام السنة المدنيون في المرحلة التالية.
لم يحو الحرس القومي البعثي في دمشق عام 1965 سوى 12 دمشقيا من بين 600 . الامر الذي ادى الى فصل الريفيين والدمشقيين القاطنين دمشق تنظيميا لتشجيع الدمشقيين على الانضمام. مقابل هذا كانت ثنائية المدينة- الريف في حماة محجوبة بالطائفية.
خلل تنظيمي في البعث:
- تركيز الصلاحيات بايدي افراد محددين. وكانوا يضمون اقاربهم لتقوية نفوذهم الشخصي في البعث من جهة, وفي طائفتهم من جهة اخرى. وكذلك لمشاركة اقربائهم في الكعكة.
- كان عدد البعثيين عام 1963 عند استلامهم الحكم 400 شخص (وهذا اقل بكثير من المطلوب للقيام بشؤون دولة) الامر الذي حتّم انضمام اعضاء جدد بسرعة قياسية دون الاهتمام لخلفيتهم الايديولوجية البعثية, بل كان المعيار هو العلاقات الاجتماعية, والطائفية.
- كان عدد افراد فرع اللاذقية عام 1965 ضعفي حجمهم النسبي لباقي المحافظات. مما يدل على ان العامل الشخصي والطائفي لعب دورا في تشكيل نواة حزب البعث.
============================================================
ندخل الان في لب الموضوع:
تطور اللون الطائفي للجيش السوري
(ننصح هنا بفتح الصورة ادناه في صفحة ثانية, والتناوب على قراءة التدوينة ومراجعتها)
(اذا امتنعت الصورة عن تكبير حجمها, فالزمها حدها من هذا الرابط المباشر.
ثم اضغط Full screem الواقعة تحت عبارة “سوريا الثورة”)

ملامح عامة في النموذج التوضيحي اعلاه:
- قامت مجموعة حافظ الجحش ب 3 انقلابات (كلها ناجحة), وواجهت 4 انقلابات فاشلة.
- يبرز تركيز العلويين الكبير من المرحلة الاولى.
- التصفيات الطائفية في الجيش بادية للعيان.
- هزيمة 1967 تتويج لانشغال الضباط بتصفية زملائهم.
- كل السنيين في القائمة اعلاه هم من رجال السياسة. بخلاف باقي الطوائف. مما يدل على قلة نسبة العسكريين السنة.
- ظاهرة “تقشير البصلة” (ر ادناه)
- بعد كل انقلاب او محاولة انقلابية كانت تتم تصفية طائفة الانقلابي من الجيش.
لتقييم اللون الطائفي يتوجب علينا تقييم عدد ومنصب وتوزيع (بعد الفرق العسكرية عن العاصمة دمشق) العسكريين من كل طائفة.
كان عدد الاقليات في الجيش قبل الاستقلال كبيرا نسبيا (من دون ذكر ارقام) للاسباب الاتية:
- طائفية فرنسا باستقطاب الاقليات لشق هوة بينها وبين الاكثرية
- النعيم الاقتصادي المقيم للسنّة
- وطنية اهل السنّة
- النظرة الانحطاطية للجيش حيث كان ينظر اليه على انه مأوى الفاشلين
- فقر الاقليات
ورد في تقرير عسكري سنة 1949 (3 سنوات بعد الاستقلال): “كل القطع العسكرية الهامة بقيادة اقليات “. فيما يتهم الكاتب التصريح السابق بالمبالغة كون السنّة -حسب راي المؤلف- يمسكون بابرز الفصائل في الجيش, وعليه فان قادة بواكير الانقلابات في سوريا والتي بدات عام 1949 (اي بعد الاستقلال ب 3 سنوات) بانقلاب حسني الزعيم (استعان باكراد وشراكسة) وسامي الحناوي عام 1949 واديب الشيشكلي 49-54 سنة (استعان بحموية وعرب مسلمين سنة) كانوا سنّة.
ويشير المؤلف لخلفية كردية لحسني الزعيم والحناوي, ولم يوضح اكثر من هذا ان كانوا اكرادا فعلا ام ان احد اجدادهم كردي.
اشار تقرير سنة 1955 ان 65% من ضباط الصف علويين.
ارى هنا تناقضا بين كون نسبة العلويين المرتفعة وبين ادعاء المؤلف ان السنّة هم من كان يسيطر على الجيش. وخصوصا انها السنوات الاولى بعد الاستقلال عن فرنسا, حيث ان نسبة الاقليات في جيشها المحلي كانت اعلى من نسبة السنة للاسباب اعلاه.
استلم السنة العرب في عهد الوحدة 1954- 1958 المناصب المهمة, كون جمال عبد الناصر لم يكن يثق بالاقليات.
وصل الضباط السنيون الدمشقيون اوج قوتهم في فترة الانفصال 1961- 1963.
اما بالنسبة للتوزيع:
فقد درجت العادة على انّ من يتحكم بالفرق العسكرية المجاورة لدمشق هو من يتحكم بالنظام السياسي, اما الفرق الموزعة في باقي سوريا (حلب, حمص, حوران, الجزيرة) فانها لا تملك من امرها شيئا. لذا عمل البعثيون على السيطرة على الفرق المجاورة لدمشق بعدة طرق,منها الاعتماد على طائفية هذه الفرق (علويين,مرشديين, اسماعيليين) وتجنيبها السنّة.
بداية اللعبة

اطاح حلف البعث مع الناصريين والوحدويين المستقلين بنظام الانفصال المكون من السنّة مستغلين الاسباب الاتية:
- ضعف السنة بسبب التصفيات المتبادلة بينهم في الخمسينات
- استبدال الضباط السنة حول دمشق بريفيين علويين
وجرت اولى عمليات تصفية السنة من الجيش. فزادت تبعا لذلك نسبة الاقليات في الجيش. ولا عجب, فمعظم اعضاء اللجنة العسكرية البعثية المشرفة على التنظيم العسكري البعثي من الاقليات.
تاسست اللجنة العسكرية البعثية عام 1959 من قبل 5 ضباط منقولين لمصر زمن الوحدة.
- 3 منهم علويين: حافظ الجحش, محمد عمران, صلاح جديد.
- اسماعيليان: احمد المير, عبد الكريم الجندي.
ثم توسعت ل 15 عضو:
- 5 علويين
- اسماعيليان
- درزيان
- 6 سنة: منهم امين الحافظ.
كانوا قرويين فقراء عدا الجندي وجديد.
توزيع الغنيمة بين قادة الانقلاب:
- تولى صلاح جديد رئاسة الاركان العامة 1963-1965,
- حافظ الجحش قيادة القوات الجوية
- عمران اللواء 70 جنوبي دمشق, وهو لواء مهم استراتيجيا (عند الانقلاب!!) لقربه من العاصمة.

صلاح جديد
وخلال اشهر من نجاح الانقلاب (1963) تخلص البعث من:
- الناصريين (سنّة)
- الوحدويين المستقلين (سنّة)

رد الناصريين (يقيادة السنّي جاسم علوان لكن بمشاركة ضابط علوي كبير: محمد نبهان) بانقلاب فاشل في 1963, اتبعه البعث بتصفية اضافية للسنة. وقد فشل الانقلاب لرفض الجنود العلويين طاعة الاوامر بتحريض من مشايخ علويين.

جاسم علوان
انتقلت النار الى الكوخ البعثي

في عام 1964 تم ابعاد اللواء محمد عمران لدعايته الطائفية العلنية وقوله: “إن الفاطمية (علويين, دروز, اسماعيليين, شيعة, مرشديين) يجب أن تأخذ دورها” من قبل اعضاء حزب البعث:
- السنة – امين الحافظ (الرئيس السني والقائد الأعلى للقوات المسلحة السورية ) وموسى الزعبي
- العلويين- حافظ الجحش وصلاح جديد

محمد عمران
“ورغم أن جديد والأسد، شأنهما شأن عمران، قد اعتمدا بصورة واسعة على أنصارهما الشخصيين من العسكريين العلويين للاحتفاظ بمراكز سلطتهما، ومن المحتمل أنهما استفادا من الولاءات الطائفية والاقليمية والعشائرية لتقوية مراكزهما، إلا أنهما تمتعا بقدر من الحكمة بحيث لم يعلنا عن ذلك صراحة مثلما فعل عمران”
“وفى الفترات اللاحقة من الصراع على السلطة بين الضباط البعثيين ثبت الطائفية والاقليمية والعشائرية مرارًا في التحليل النهائي أن أولئك الذين تحدثوا علانية لصالح تعزيز مراكز طوائفهم الدينية قد أضعفوا من مراكزهم أكثر من إضعافهم لمراكز معارضيهم، الذين بدورهم دعموا مراكزهم على أسس طائفية دون أن يتحدثوا علانية عن الأمر”
ومع هذا يذهب المؤلف -ومن غير دليل على ان: “الطموحات الشخصية من بين أهم الأسباب المؤدية للصراع على السلطة بين عمران والأعضاء الآخرين باللجنة العسكرية”, منكرا البعد الطائفي.
“بعد أن نجح أمين الحافظ وصلاح جديد في إبعاد عمران، وهو أبرز منافس لهما في اللجنة العسكرية، أصبح عليهما أن يواجه الواحد منهما الآخر”
اقتحم سليم حاطوم (ضابط درزي يَعتقد ان له نصيب الاسد في تنفيذ انقلاب البعث عام 1963) مكتب صلاح جديد (رئيس الاركان) واجبره على الاستقاله, لاعتقاد حاطوم ان جديد وراء حرمانه من اي منصب عسكري او حزبي عالي على الرغم من مشاركته في الانقلاب انف الذكر. لكن امين الحافظ (رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة السورية) رفض الاستقاله بهذه الطريقة.

الرائد سليم حاطوم (1928-1967)
وفى النصف الثاني من عام 1965 بدأ امين الحافظ يتهم صلاح جديد بالطائفية ببناء كتلته (العلوية) الطائفية داخل الجيش. الامر (بناء الكتلة العلوية) الذي ادى الى تقطب سني-علوي داخل الجيش السوري.

امين الحافظ
عام 1965 تحول ولاء مصطفى طلاس السنّي من الرئيس أمين الحافظ إلى صلاح جديد عقب شجار بأحد النوادي الليلية، حيث اتخذ أمين الحافظ إجراء تأديبيًا ضده، في حين أن جديد ساعده، وبذلك حظي بتأييده.
وفي ذات النصف الثاني من 1965 انتقل حاطوم وحمد عبيد الدرزيين من كتلة الحافظ الى كتلة جديد, وكذا الاسماعيليون (ليس الكل).
استعر اوار المنافسة بين:
- القيادة القطرية السورية- تحت سيطرة جديد واعوانه
- القيادة القومية- تحت سيطرة امين الحافظ, وقدامى البعثيين بقيادة ميشيل عفلق
تم عزل الحافظ في النصف الثاني من 1965 داخل القيادة القطرية, فاعلنت القيادة القومية عن حل القيادة القطرية.

ولحسم هذه التناقض وقع انقلاب اخر عام 1966 ب”تخطيط” من حاطوم وعزت جديد (عزت جديد احد اقرباء صلاح جديد) ضد الحافظ وزملائه في القيادة القومية. وساندت الفرق العسكرية المحيطة بدمشق المشكلة من:علويين ودروز. فيما عجزت القوات السنّية البعيدة عن دمشق عن نصرته. وتم تصفية المزيد من السنة من الجيش.
نجا السنّي منيف الرزاز، الامين العام للقيادة القومية المخلوعة من الاعتقال وسعى لاستعادة سيطرته على القيادة القومية وتحالف مع اللواء فهد الشاعر الدرزي الذي سعى لانشاء المكتب العسكري في ذات الحركة واستثنى الجسم الاخير العلويين بصفة خاصة,وفشلت المحاولة عام 1966 وتم اعتقال الرزاز 1967.

فهد الشاعر
تصفية الدروز
بعد انقلاب 1966 تم عزل ضابطين درزيين كبيرين: حمد عبيد وسليم حاطوم وتم تعيين حافظ الاسد وزيرا للدفاع عام 1966, فحاول عبيد الانقلاب الا انه كشف واعتقل.

لم ينل حاطوم مراده من الترقية بعد مشاركته في انقلاب 1966, فسعى لانقلاب جديد مشكلا جسما عسكريا من الدروز متعاونا مع فهد الشاعر. وفشل انقلابهم في ذات العام بعد اكتشافه قبل وقوعه.
تصفية الحورانيين
في عام 1967 تمت:
- تصفية أو تحييد البعثيين العسكريين والمدنيين الحورانيين من جهاز الحزب والجيش
- استقالة واقالة قادة بعض الفروع والشعب والفرق
ففقد البعثيين المدنيين البارزين من حوران مراكزهم فى قيادة الحزب والحكومة
1968 تم إعفاء أحمد سويداني رئيس أركان الجيش السوري وهو من حوران
————————
اكلت يوم اكل الثور الابيض
الصراع داخل العلويين
كان حافظ الاسد وزير الدفاع وقائد القوات الجوية منذ 64. اما جديد فلم يعد له منصب رسمي في الجيش السوري منذ 1965 عندما استبدل منصبه كرئيس للاركان بمنصب مدني قيادي كأمين عام مساعد بالقيادة القطرية السورية.
بعد هزيمة 67 زادت الخلافات بينهما حول السياسات العسكرية والخارجية والإقتصادية الإجتماعية وحول ترجيح احد السياستين:
- التحول الاشتراكي بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي على حساب التعاون مع الانظمة “الرجعية” لبنان والعراق والاردن ومصر والسعودية ضد الكيان الصهيوني.
- الاتجاه القومي بالتعاون مع الدول العربية بغض النظر عن توجهاتها غير الاشتراكية.
“كانت الاكثرية من حظ صلاح جديد الاشتراكي, لم يقبل الاسد هذا الامر, واخذ بالسيطرة تدريجيا على الجيش بالتعيينات ونقل اتباعه الى الفرق العسكرية المهمة, وابعاد مقربي جديد من ذات الفرق.
وبينما نجح الاسد في فرض سيطرته على معظم القوات المسلحة السورية، فقد أحكم جديد قبضته على جهاز الحزب المدني بشغل أهم مراكز الحزب المدنية بمؤيديه ٠ وهكذا تم خلق ما يسمى ب:”ازدواجية السلطة””
“وفي 69 سيطر الاسد على فرع الحزب في اللاذقية وطرطوس باعتقال القادة من معارضيه واحتل مبنى الاذاعتين في دمشق وحلب وسيطر على اكبر جريدتين: البعث والثورة”

في 1970 عقد مؤتمر قومي استثنائي لمناقشة فشل الدعم السوري للفلسطينيين في الاردن, وقر راي الاغلبية على عزل الاسد ومصطفى طلاس, فالقى الاسد القبض على الرئيس نور الدين الاتاسي وصلاح جديد في “الحركة التصحيحية”.
واصبح الان التحدي الاساسي لحافظ الجحش من داخل الطائفة العلوية, فزاد من ضيق دائرة الموثوق بهم مثل اخوته وقريته وعشيرته.
تولى رفعت الاسد سرايا الدفاع اعتبارا من 1970 إلا أنه في نيسان 1975 في المؤتمر القطري السوري السادس لحزب البعث بدمشق تم انتخاب رفعت الأسد عضوًا في القيادة القطرية السورية إلى جانب أخيه حافظ. وفى نفس المؤتمر جرى تعيين أخ آخر وهو جميل الاسد عضوًا في المؤتمر القومي الثاني عشر لمنظمة الحزب الحاكم، بعد أن كان قد تم انتخابه بالفعل عضوًا بمجلس الشعب السوري في 1973.
1971 اعتقال انصار لجديد بتهمة نشاطات تخريبية ضد النظام
1972 اغتيال اللواء العلوي محمد عمران في لبنان من قبل الاسد
1972 اعتقال المزيد من انصار جديد بتهمة التآمر على النظام
“أن التأثير الهدام الذي يمكن أن يفرضه الشقاق الحزبي على الانضباط العسكري قد بدا واضحًا من خلال الإنجازات التي حققتها القوات المسلحة السورية: ففي حرب اكتوبر (تشرين الأول) 1973 كانت الانجازات أفضل بكثير منها في يونيو (حزيران) 1967 عندما تأثر سلك الضباط وتنظيم حزب البعث بتشكيلات طائفية وإقليمية وعشائرية”
1976 اغتيالات طالت قادة النظام السوري من قبل جماعة مجاهدين.
1980 مجزرة في مدرسة المدفعية في حلب من قبل بعثي: 30 قتيلا تقريبا, اتهم بها الاخوان المسلمون وبدات الحملة ضدهم.
1980 مجزرة تدمر وقتل فيها 800 سجين من الاخوان.
1980 قامت السلطة بتسليح اعضاء حزب البعث المدنيين. (شبيحة بمصطلح اليوم)
11.1983 عين حافظ لجنة سداسية لتسيير امور البلاد عند مرضه وكانوا جميعا من السنيين, ولم يعين اخاه رفعت.
النار تأتي على غرفة النوم في الكوخ الجحشي


بدأ رفعت بالتحركات للانقلاب على اخيه, فقام اخوه بعد تعافيه 1984 بمواجهته في دمشق ومن ثم عزله.

رفعت الجحش
========================================================
اضاءات:
1) يرد في الكتاب ان “نور الانوار العميد مرتبتان دينيتان علويتان” وانه ” أثناء مناقشة دارت عام 1963 بين سامي الجندي، وزير الإعلام آنذاك، ورئيس الأركان العلوي القوى اللواء صلاح جديد، اقترح الأول أن يقوم العلويون بنشر كتب عقيدتهم السرية كحل للعمل على الحد من الأفكار الخاطئة المتداولة ورد عليه جديد بالقول: “لو فعلنا لسحقنا المشايخ”
- قرات في مصادر اخرى انه لا مرجعيات للعلويين.
- ما هي الكتب السرية لدى العلويين؟
2) افضى الصراع العسكري الداخلي وتصفية الضباط على مبدا “الولاء قبل الكفاءة” الى هزيمة 67, وما تلاها من هزائم وانهيار سوريا كدولة وكنظام اقتصادي. وفي حين بدات التصفيات من القشرة الخارجية للبصلة الا انها استمرت في تهدما الى الداخل وصولا الى الصراع بين الاخوة (حافظ الجحش ورفعت) في ظل غياب الية لاتخاذ القرار, او عدم احترامها والسعي للتحايل عليها.
وتحول النظام السوري الى غابة تطبق مبدا داروين: البقاء للاقوى.
على النظام السياسي السوري (واي نظام) تحديد الية اتخاذ القرار الخاصة به. هل هي:

3) يذهب المؤلف انه لو كان التاريخ السوري من حظ اهل السنة لانحصر الحكم في افراد بعينهم تماما مثلما حصل مع العلويين, لكنه عندها سيكون المجتمع السوري اكثر تقبلا للامر لان هذه الاقلية الحاكمة سنّيّة مطابقة الاكثرية السورية. واعتقد ان الامر كان سيكون اقل سوءا لثقة السنة العالية بانفسهم, كما ان الحراك داخل السنة بصفتهم اكثرية كان سيكون اكثر حيوية
4) ظاهرة تقشير البصل –
يتم تقشير البصلة من القشرة الخارجية باتجاه المركز.
وكذا حال السياسة السورية اعلاه.
اكلت يوم اكل الثور الابيض.
تاكل النار نفسها اذا لم تجد من تاكله.
مراحل تقشير البصلة:
- التخلص من “الاخر” غير البعثي
- التخلص من “الاخر” البعثي
- حرب بين الاخوة

تم النشر قبل 13th March 2012 بواسطة د. المطالع بن الكتاب


