من ذاكرة الثورة- تدوينة من 2012
“تنبعث من ملابسك رائحة غرض محترق” بعد رحلة الى “اسطنبول” لاسبوعين.
بعدها باسبوع: “يتوجب عليك شراء معطف جديد, لا زالت رائحة الاحتراق غضة طرية كأنها بالامس”.
جلست قبل عودتي للمنزل (في اوروبا) باسبوعين في مقهى مع احد الاطباء السوريين على الحدود مع سوريا قبيل دخولي لسوريا. “هل يتوجب علي ان اسجل وصيتي؟”. ساعتذر فيه حتما لامي. وددت ان اقتل هناك فاتحول من متهم بالتقصير الى متهم للاخرين بالتقصير. وطبعا سوف اتصور فور عبور رجلي الاولى اسلاك الحدود فيما رجلي الثانية في تركيا, وعلى ظهري حاسوبي النقال وبيدي القمرة وستكون هذه الصورة من اجمل صور حياتي.
ارقى التضامن: وحدة المصير لاطول فترة زمنية ممكنة.
لم يكن الدخول الى سوريا بتلك الاثارة التي تصورتها. ها هي اعلام الثورة والجيش الحر. والناس السوريين البسطاء في الشارع.

كنت اشعر بفرحة غامرة تنبع من رضاي عن نفسي. الان يمكنني القول انني مع اولئك الناس الذين يقتلون منذ سنتين لمطالبتهم بالحرية. انا معهم ايضا في المخاطرة. كنت اتصور ان التحدي الاساسي في سوريا هو القصف والقنص, وهما امران كنت على اتم الاستعداد نفسيا لتقبلهما. ولكن ما كان يؤرقني هو:
مشاريعي الخاصة التي فيها فائدة للامة والتي لا ارى من سيقوم بها غيري.
كان الشعور بالواجب هو ما حملني على دخول سوريا. دخلت سوريا وانا مزهوا بنفسي, فانا لم اعد مجرد مؤيد للثورة, بل اصبحت جزءا منها (وان صغر).بيوت متراصة حلقية مثل بيوت الاندلس تتناثر في السهل. سهول زيتون تأخذني بالذاكرة الى زيتوننا خلف الحدود.
استقبلني مضيفي في بيته, فتحت بابي المرحاض والحمام. كانا نظيفين. الا ان ثمة كلمة واحد لوصف شعوري عند رؤيتهما: الصدمة!!
اخذت اخفف من طعامي وشرابي للحيلولة دون دخولهما. وعند زيارتنا لبيوت الجيران كنت انتهز الفرصة واعاين المرحاض.


اما الحمام فتطلب مني الامر بضع دقائق لافهم الية عمله: حنفية ترتفع عن الارض 20 سم واسفلها طشت ماء.
كان الفقر يلوح لي بيديه من كل الزوايا: الملابس الرثة التي يقاوم بها الناس برد الشتاء, الشوارع المرصوفة بالحفر لاهمالها او من اثر رسائل بشارون: القنابل, البيوت والجدران المبنية من اللبن (وحل مع قش!!) وحتى من الوضع الصحي لاسنان ولثة الاغلبية الساحقة من الناس حتى المتعلمين منهم.


وبما ان العربي لا يسمح له بفتح فمه الا لدى طبيب الاسنان, فكنت استغل هذه الفرصة (كطبيب اسنان متطوع) لتحقيق مآرب اخرى من فتح المراجعين افواههم, والاقتراب اكثر واكثر نحو ادراك عمق المأساة:
1) طلبت من احد سجناء تدمر السابقين ان يحدثنا عن تجربته في تدمر. صمت لوهلة, ثم قال:” كنا ننام بطريقة التسييف (اي على مرصوصين مثل السردين على جنوبنا, ورجلي المرء قبالة وجه زميله). لن اقسم لك, ولكن والله كانوا احيانا يجبروننا على النوم طبقتين من الرجال فوق بعضهم و3 طبقات”.
2) شاب مرح في مقتبل العمر, درس المحاماة وانشق عن النظام عند عمله في المخابرات الجوية. قال لي والبسمة تعلو شفتيه ان والده قنص قبل 20 يوم قرب دمشق وبقي طوال الليل ملقى على الارض. حاولت امه في الصباح اجلاء ابيه. فتم قنصها. اخوه الثاني منشق ويؤوي اخاهم الطفل في منطقة قرب دمشق.
خدم في جبهة حلب. سالته عن اخطر تعرض له. فقال انه لا يوجد موقف محدد. فهمت من هذا انه ربما لم يكن على الجبهة مباشرة. لكنه اكمل انه كثيرا ما تتساقط قذائف الهاون جوار الغرفة التي يتمركز فيها او في الغرفة الواقعة فوقها.
3) عجوز في الستين او اكثر قليلا, استلقى على كرسي طبيب الاسنان وقال من فوره بعد طرح السلام ومن دون مقدمات:”لقد خرجت للتو من سجن الامن العسكري بعد سجن ل 18 يوما. كانوا يضعون الكهرباء بشحنة 100 فولت على قضيبي”.
لو طلب مني قبل زيارتي لسوريا رسم صورة للثورة لرسمت شهداء يرتقون الى السماء بالتزامن مع ارتفاع الاعداد في الشريط الاخباري الاحمر. في سوريا المحررة التي رايت لم اسمع عن شهداء في فترة اقامتي لمدة اسبوعين الا نادرا. لكن الثورة كانت تطل براسها من كل مكان:
1) المدارس معطلة, وان كانت مفتوحة لا يذهب اليها معظم طلابها خشية قصفها.

2) الماء مقطوعة من اشهر, ويملؤ الناس خزاناتهم بشكل شخصي.

3) طوابير خبز بالمئات عند المخابز, الانتظار في طابور احد مخابز احدى المدن التي زرتها ابتداء من الساعة 5 صباحا, في حين يفتح المخبز ابوابه بعد 3 ساعات.

طابور خبز في احدى القرى السورية
4) تغطية جوال مفقودة حتى للهواتف ثنائية الشريحة (السورية والتركية) ولا ينالها المرء الا دقائق قليلة كل بضعة ايام.
5) الكهرباء لا تتوفر الا ساعتين يوميا في ظل برد قارس. كما ان ساعات توفرها غير محددة, لذا يبقي اهل المنزل زر احد المصابيح مشتعلا كشارة اشعارا بتوفر الكهرباء لاستغلالها فور توفرها. يعني تعطل الكهرباء:
1- لا صوت اذان يرفع الا نادرا.
2- خطبة الجمعة تجري في الظلام.
3- ابناء احد المعلمين الذين زرتهم (3 ابناء, من بضعة اشهر الى 3 سنوات تقريبا) يرون الحياة في الليل على ضوء شمعة خافت.4- تناول الطعام في الظلام على ضوء الحاسوب او الجوال.5- حاسوبي النقال يخمد.6- للتدفئة: 1- قطع الاشجار- ورشات عمل في شوارع المدينة. اناس تحيط بالاشجار وتقطعها. حتى في الاراضي الزراعية يقطع الناس اشجار الزيتون للتدفئ عليها.

اما في البيت الذي اقمت فيه فلم يشتعل الحطب لسبب ما. كان ينبعث منه دخان اكثر مما يطلق الحرارة. انتقلنا لاستخدام مدفأة المازوت غالي الثمن. فسعر 10 لتر مازوت يوميا على مدى شهر واحد يعادل وحده معاش معلم لاربعة اشهر!!. اخذ صاحب البيت يقتصد في المازوت لاسباب مفهومة.

البرد يهاجمني وانا داخل البيت من كل حدب وصوب. اغوص تحت البطانيات, الا ان افاعي البرد تسير بكل سلاسة على وجهي. اتمني لو كان معي عصا مجوفة للتنفس (مثل الغواص) كي اتمكن من ضم وجهي للمناطق الدافئة.
ناهيك عن الموت المؤجل..
Video
Drag and drop a video, upload, or choose from your library.UploadMedia LibraryInsert from URL
اثار القنبلة الفراغية في اعزاز 15.8.2012
بين هؤلاء الناس البسطاء مرتدي الاسمال البالية والساعين للحرية وجدت مكاني, شعرت وكأني اعرفهم منذ امد بعيد. فالحرية لا تعرف تفاصيل شخصية ولا وطنية ولا سياسية.
ما كان للرصاصة ان تقتل جنود بشارون لولا صمود هؤلاء في البرد والجوع.بل واصرارهم على الصمود في طابور القتل العشوائي. فالطائرات لا تقصف الجبهة حيث المجاهدين خشية النيل من الشبيحة عن طريق الخطأ. بل انها ترمي براميل حقدها الفراغية فوق المدن المجاورة للمعارك للضغط على المجاهدين.

جيل النصر فوق حديد دبابة
هؤلاء الناس يعيشون حالة من الفرحة, فرحة من ينتظر في محطة الباص في البرد والجوع ليعود الى منزله في الاعلى. لم ار منهم من يصرخ او يتكلم بعدوانية. بل لم تكن الابتسامة تغادر وجوههم.

كانوا في غاية الامتنان لي لانضمامي اليهم اياما قلائل, وساخطين على الاطباء السوريين الذين تركوهم وحدهم في محنتهم. “سوف نسحب الشهادات من الاطباء السوريين الذين هربوا ولم يقدموا لنا المساعدة” قال احدهم بخيبة امل.
ومع ان ملامحي عربية الا ان الاطفال شكّوا اني اجنبي لحملي الة التصوير وسالوا مرافقي ان كنت كذلك. وفي هذه اشارة الى تخاذل الصحفيين العرب, لقرب الصحفيين الاجانب الى سطح ذاكرة الاطفال فيما تستلقي ذكرى الصحفيين العرب في اعماق الذاكرة.
لماذا لا نفهم سوريا؟
1) رايت نقاشات موسعة في الفيسبوك حول اعفاء قائد الجيش الحر (رياض الاسعد) و الملازم اول عبد الرزاق طلاس للحيتهما. انتقدهما البعض لان هذه يعطي انطباعا عن تطرفهم. وبعيدا عن هذا المنطق الهزيل. فقد نمت لحيتي انا ايضا في سوريا, وكذا اللحية الشقراء لجراح بريطاني, لا لسبب ولكن لعدم توفر المياه الساخنة في كل اوان وحين, حيث ان تسخينها مرتبط بتواجد المازوت النادر اصلا وان وجد فانه يستخدم للتدفئة وباقل القليل لسعره المرتفع.
2) ذكر احد الحماصنة اسم الساروت امام منشق من الجيش الحر, فجهله. اخذ يحاول عبثا تذكيره عن طريق سرد سيرة حياة مختصرة للساروت. الناس في سوريا لا تتابع الفيسبوك وباقي المواقع الشبكوتية الا بنسبة ضئيلة. فالكهرباء لا تصل الا ساعتين في بعض المناطق, التغطية ضعيفة وتكلفة التصفح مرتفعة. افضل من تصفح الشبكوت هو مشاهدة المرناة.
ومنبع سوء الفهم هو النظرة الكلية للموضوع من دون ادراك الجزئيات. وقد قرات في مواقع ان ترتيب حروف الكلمة ليس مهما سوى الحرفين الاول والاخير لاننا لا نهجئ الكلمة حرفا حرفا بل بكليتها. وهذا ما وقعت انا فيه:
توقفت بنا السيارة امام لوحة معلقة على عمود فيها صورة وفوقها العنوان:”كلب مفقود”. او هكذا قراتها على الاقل. استغربت من غباء هذه اللوحة والتي تبحث عن كلب في حين ان البشر تقتل. لفت انتباه المرافقين للوحة, فقالوا انها “شاب مفقود”. وفعلا كانت كذلك ولكني قرات اخر حرف وركّبته على عشرات اللوحات الشبيهة التي رايتها في السنوات الاخيرة في اوروبا.قصص انشقاق
1) حدثني احد المنشقين انه طلب الاذن من قائده الذهاب لبوابة القطعة العسكرية لقضاء حاجته, فسمح له. فانطلق المنشق لا يلوي على شيء عبر الحواجز, وكلما سئل, قال انها في مهمة من قبل قائده. ولو حاول احد الحواجز بالتاكد من صحة روايته فاتصل بقائده لاعدم ميدانيا من فوره.
2) منشق اخر من المخابرات الجوية حدثني عن انشقاق مجموعته المكونة من 5 جنود.
بدات القصة عندما وشى بهم احد الخون السنّة في قطعتهم العسكرية باقامتهم الصلاة جماعة في القطعة العسكرية, وهي تهمة قد تودي بالمرء في غياهب الشرطة العسكرية بتهمة الطائفية (..). ويسمح بعض قادة الجيش بالصلاة الفردية في حال كان “منفّذها” يصلي قبل دخوله الجيش. اما ان بدا بالصلاة بعد دخوله الجيش فان هذا فتح لباب الظنّة بوجود دعاة ل “الطائفية” داخل الجيش وهو ما يستوجب المساءلة.
“لقد جرى الامر بطريقة سريعة, كنا معا 8 اشخاص. وتساءلنا هل نصلي جماعة ام لا. ثم قررنا ان نصلي جماعة. فرآنا الخائن ووشى بنا”.
استدعي المتهمون الى تحقيقات لدى قائد القطعة العسكرية واعتذروا له عمّ بدر منهم, على الا يعيدوها ثانية. ولكن التحقيق ظل مستمرا, والشباب على اعصابهم. فقرر محدثي الانشقاق باول فرصة متاحة, بعد ان كان ينتظر وصول الجيش الحر لقطعته العسكرية كي يساعدهم هو ورفاقه من الداخل.عندها انتقل محدّثي الى طور الدعوة شبه العلنية الى الانشقاق في قطعته العسكرية. واخذ يدعو الشباب -حتى الذين لم يكن يضمن موثوقيتهم 100%- الى الانشقاق معه في الايام القليلة القادمة.
وفي الساعة الموعودة, انطلق الشباب باتجاه الاسلاك المحيطة بالقطعة, وهم بين مصدق ومشكك بنية الانشقاق, حيث ان احدهم شك ان اصدقاءه يودون ان يلقموه مقلبا (ت). ركب المنشقون السيارة, وفقط عندما بدأ استهدافهم بالرصاص, تيقن المشكك بانها كانت فعلا جدا لا هزلا (ت).
3) اما قصة انشقاق اخوين واب من فرع الامن العسكري والجيش فانها لم ترق لي. فقد قال لي احدهم انهم انشقوا بعد رؤيتهم للدمار في حلب. وكأنهم لم يروا الدمار في غير حلب.
4) ضابط جيش اخر انشق. فحاجج عنه ابوه الجيش عندما هاتفه مهددا بان ابنه مخطوف وانهم يطلبون الفدية عنه. ودّعني هذا الشاب ببرود ومن غير اكتراث قبيل خروجي من سوريا. بعد انطلاقنا للخروج من سوريا, علمت من اصدقائي المرافقين ان لديه سببا وجيها: لقد علم للتو باختطاف ابيه من قبل مجهولين في حلب.
لقد كنت مزهوا بنفسي لزيارتي التضامنية, الا انني تصاغرت عندما زرت مشفى ميدانيا لاطباء بلا حدود (وهو مشفى من 5 مشافي في سوريا) وفيه 3 جراحين و5 اطباء وممرضات من شتى اصقاع العالم. ولاول وهلة اعتقدت انهم سوريون بجوازات اجنبية, الا ان الجراح المسؤول عن المشفى بريطاني الجنسية بشعر (ولحية) اشقر. وقال ان الطبيب يتطوع عادة في اطباء بلا حدود ل 3 اشهر بمعاش ضئيل يكفيه بالكاد لسد قوته. وقد يوقع عقد عمل بمعاش مخفّض, وهو ما قام به.
اما الطبيبة الاسبانية فاحمرت وجنتاها عندما سالتها عمّ جاء بها الى هنا, واخذت تضحك, وردت السؤال بنفسه لي.
رفض الطبيب البريطاني تصوير المشفى خشية قصفه.
وعندما زرت مشفى خاصا اخر, قالوا لي ان جمعية “الخوذ الخضر” الالمانية غادرت لتوها بعد قيامها ببعض النشاطات التطوعية في سوريا, حيث يدفعون معاشات لسوريين لاعمال صيانه وتطوع. كما وينسقون للنشاطات الاغاثية. وعلى رابطهم اعلاه اعلنوا على اعلى هامش الصفحة الرئيسية عن سعيهم العاجل لاطباء مختصين للعمل في سوريا.
هذا ما قام به الاطباء الاجانب تجاهنا. تحرك ضميرهم تجاه ما يقع في بلد مجهول بالنسبة لهم, اما اطباؤنا العرب (وبالذات السوريون) فانهم لم يقوموا باقل الواجب, حيث لا زالت المشافي في المناطق المحررة في وضع كارثي من ناحية الكادر البشري والمعدات. فاحد المشافي التي زرتها يفتقر لطبيب تخدير مع انه يجري عمليات جراحية يوميا. ويسد مسده فني تخدير.
اما بالنسبة للمعدات, فقد طلب منا التبرع بالدم, ولما ذهبنا للمشفى للتبرع وجدنا ان اكياس الدم قد نفدت. وعن معدات طب الاسنان فلا تسألني. فقد كنت سعيدا لانهاء مهمتي التطوعية باسرع وقت ممكن, للظروف المزرية التي يتم العلاج بها, في ظل نقص الشروط الاساسية للعلاج الفعال.
بالمقابل حدثني احد العاملين في احدى جمعيات الاغاثة السورية انه حتى الاطباء السوريين في اوروبا يدعمونه ب 200 يورو لمرة واحدة..
كان الجميع في الايام الاولى ينادونني “دكتور” حتى اوشكت ان انسى اسمي الحقيقي. وكلما عنّ لي الاعتراض ومناداتي باسمي الشخصي, قلت في نفسي لعلهم يشبعون حاجة اساسية بوجود “كبير” (بين اقواس) معهم, نظرا لتخلي اطبائهم السوريين عنهم, دع عنك السياسيين السوريين الكبار عنهم. فمناطقهم محررة, فما المانع من اقامة اعضاء المجلس الوطني بينهم لدعم صمودهم؟
وعندما ناداني احد الاصدقاء باسمي انتهره الجميع وكانوا يبدون امتنانهم الكبير لما قدمته من اقل القليل. وكنت في غاية السعادة للوقوف بجانب هؤلاء “البسطاء الدراويش” كما وصفهم احد السكان الذي ارشدني لطريق العودة للمنزل في الليل. حيث اني خرجت من العيادة ليلا, قبل ان اتفاجأ ان الشوارع غير منارة مثل شوارع اوروبا, فلم اكن ارى سوى نصف متر امامي. الى ان التقيت به وساعدني, وقال انه ابن عمه اول من استشهد في اعزاز, وان 2 من اقربائه استشهدوا في مجزرة اعزاز في 15.8.2012. فلما رايته يحمل قصصا مثيرة طلبت التواصل معه عن طريق سكايب او الفيس, فابتسم باشفاق -ولعله ادرك اني لم افهم شيئا مما قاله- واعلن انه لا يملك ايا منها.
خجلت من نفسي لتمركزي قرب الحدود. واردت ان اعرّض نفسي لاكبر خطر ممكن لاطول فترة ممكنة تضامنا مع اصدقائي الفيسبوكيين. اردت ان اكون مع اصدقائي في حلب. انتظرت طويلا للعثور على سيارة تقلني لحلب عبر حواجز الجيش الحر. وعندما عثرت عليها اخيرا, حمّلت حقائبي فيها, وطلبت منهم الانتظار 10 دقائق ريثما افرغ الصور على جهازي . عندما عدت اليهم كانوا قد غيروا رايهم ورفضوا اصطحابي لحلب. ربما بضغط من احد معارفي الذي خشي على حياتي.
كان اخطر حدث امر به هو قصف المبنى الذي تواجدت فيه بالطيران. وما ان سمعت صوت الانفجار حتى خفضت جسمي قليلا, وانا افكر بين الانبطاح على الارض او الهرب خشية من القنبلة التالية. فقررت الخروج من المبنى بسرعة. وعندها ادركت سريعا ان القصف طال منطقة تبعد عني حوالي 5 كم (!!). انتقاما من هجوم الجيش الحر على احدى المطارات المجاورة.

عندها اقترح علي مضيفي المغادرة باسرع وقت ممكن لان القصف على المبنى القريب من احد مقرات شرطة الجيش الحر قد يتجدد بسبب الهجوم على المطار. رفضت الفكرة جملة وتفصيلا, فقد جئت كي اكون مع الناس وليس بجوارهم.
عندما اضطجعت للنوم في تلك الليلة لم يزعجني البرد بتاتا, بل اخذت احلق بنظري الى تشققات سقف الغرفة. فهي خطوط ضعف السقف واول ما سينهار في حال اصابتها بقذيفة. لم ارد ان اموت وانا نائم, اردت الشرب من كأس الحياة حتى اخر لحسة اجزاء من الثانية. عندها ادركت معنى ان يكون الانسان مشروع شهيد في اي لحظة.
لا يمكننا المقارنة بين نشطاء الداخل والخارج!العودة وما بعد العودة..
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
انا -“هل طريق العودة ملغّمة”
هو- “لا! لا يوجد الغام!”
انا- “سمعت انها ملغّمة”
هو- “هناك الغام ولكن المهرّب لديه خبره 50 عام بالتهريب”
تركت اصدقائي ومعارفي, وكل من وما صوّرته قمرتي, وخفق له قلبي, تركت هؤلاء الصامدين في اوضاعهم المأساوية,
تركت الطبيبين البريطاني والاسبانية خلفي,
وبدانا برحلة العودة تحت المطر,
1-المهرّب شاب في العشرينات.
2- 4 نساء ثلاث منهن تحملن كل منهن طفلا يبلغ كل منهم اشهرا من العمر. وعجوز جاوزت السبعين.
4- 4 شباب احدهم يحمل حقيبة كبيرة.
كان الوحل مرصوصا في الطريق التي مشينا فيها من كثرة السالكين قبلنا لدرجة خلا معها من الاعشاب. كما احتوى على بقع ماء. وكنت كلما حاولت الابتعاد عن متن الطريق – الموحل آنا والزلق آنا اخر- اتذكر الالغام فاعود للمشي بالذات في البقع المائية كونها أأمن البقاع. انزلق الشاب مع الحقيبة الكبيرة. اما العجوز فقد انغرز حذاؤها في الوحل ولم تشعر بانغرازه الا بعد دوس رجلها الحافية ثانية في الوحل.
ولكن ما كنت اخشاه ان تنزلق الامهات مع اطفالهم الرضع. حاولت احداهن تجاوز احد الحواجز المادية وهي تحمل طفلها لكن الامر تعذر عليها. فسلمته بتردد لشاب سبقها بتجاوز الحاجز. بعد ثوان قليلة احتضنت ابنها ثانية واخذت تتفحصه ان كان على ما يرام.
اخذ احد الرضّع بالبكاء بسبب الامطار والبرد, فطلب المهرّب من الام اسكاته كي لا تكشفنا الشرطة التركية.
مشيا نصف ساعة تقريبا حتى وصلنا تركيا.
عند عودتي للبيت:
1- قلّت مشاركاتي الفيسبوكية لعلمي انها لا تساعد الناس في سوريا كثيرا.
2- انعزلت اكثر, وقلّ كلامي.
3- اصبحت افضل الجلوس في الغرفة المظلمة ومن دون تدفئة قدر الامكان تضامنا مع اصدقائي.
4- طالت لحيتي.
امر واحد لم اكن مستعدا للتنازل عنه: مسحت بيدي على كرسي المرحاض.
جاهدت نفسي الا ادخل مراحيض سوريا الا ما اضطررت اليه. ولكن بما ان الدنيا اخذ وعطاء فقد وقع المحظور..
كانت المراحيض في سوريا على شكل نصف اجاصة مجوفة, وفي نهايتها المستغلظة ثقب يتوجب عليك المناورة بين بلاط الحمام وبين التجويف لاصابته بدقة. في حال اخطأت التسديد, فهذا معناها تفريغ كميات كبيرة من الماء لدفع ال.. الى الثقب. اتى علي مضيفي بعد تأخري في الحمام, وعرضت عليه المسألة. فوعد بحلها بنفسها واطلق سراحي. اما التبول فلم ادر كيف يكون شكله: امع ملابس ام من دون. كما وافتقدت اوراق التنظيف..وعندما اخذت اسمع اصوات الالعاب النارية المحتفلة بالسنة الميلادية الجديدة في اوروبا (والتي سمعت كذلك في الامارات) كنت افكر اول ما افكر ان كان يتوجب علي الانبطاح ام الهرب.
عند عودتي ادركت الحب البشري الاصيل للحرية البدائية الاولى, واستعدادهم للتضحية من اجلها بحياتهم, بانخفاض درجات حرارة اجسادهم, بانتظار سهام الموت تصيبهم وهم نائمون في بيوتهم.
“الثّورة يفجّرها مغامر و يخوض غمارها ثائر و يجني ثمارها جبان” قالها جيفارا, ولا زالت حيّة الى الان.
وحدهم الناس البسطاء ممن لا يملك المال للهرب خارج سوريا بقوا فيها. اما المقتدرين ماليا واكاديميا فقد تركوها. وغدا سوف يرجعون اليها وسيحدثون اولادهم عن معاناتهم وتضحيتهم التي قدموها بتركهم اهلهم في سعيهم للحرية. وحدهم المغامرون لن يسردوا قصتهم على اطفالهم.
ها هو شمالي سوريا محرر, فلماذا لا ينتقل الائتلاف الوطني للاقامة فيه؟!
ولماذا ترك المتعلمون الثورة؟! الثورة ليست مجرد اطلاق رصاص, بل هي تخطيط وتفكير وعمل جماعي. وفي هذه الامور وغيرها يفيد المتعلم عند انضمامه للجيش الحر. على المتعلمين ان يضخوا دماءهم في الجيش الحر, لان تركه لفئات غيرمتعلمة وان كانت حسنة النية ينطوي على مخاطر الان وغدا.
“لم يجعل المنطقة بؤرة ديكتاتوريات عسكرية في الماضي .. وحكام زعران … إلا انسحاب نخبها وأهلها من الصورة العامة … تعففاً … أو يأساً !!” فراس الاتاسي
“الثورة ناقصها عقل في الداخلالناس في الخارج تنظّر على الفيس وتنشر مقالات مع انه في الداخل ما في كهرباء وما حد يقرا المقالات, لازم عقل في الداخل بين الناسيعني في الجيش الحر شباب صغير, ما في ناس كبيرة ومتعلمةيجب ان يشارك المثقفون في الثورة وليس الجيش الحر” معتز شقلب




تعليق واحد
playpix app
Just downloaded the playpix app! So far it’s pretty smooth. Nice interface, everything loads quick. I’m a fan. playpix app
k8app
Love the convenience of k8app. Everything I need right on my phone. Get the app here: k8app
playtime
Heard about Playtime recently and giving it a try. Seems like a fun way to spend some spare time. Definitely worth checking out: playtime
sportiumbet
For sports betting, sportiumbet isn’t a bad shout. They cover most of the big games and the interface is pretty slick. I’ve had a good experience so far. Try sportiumbet if you’re looking for a reliable sportsbook.
king98slot
King98slot, huh? Not bad at all! Some cool slots on there I haven’t seen anywhere else. Payouts are pretty quick too. Definitely worth checking out king98slot if you’re a slot fan.
shambhubet
Hey, I’ve been playing around on shambhubet for a bit. Pretty standard betting site, but the odds are decent. Had a few wins, cashed out no problem. Check out shambhubet if you’re after a solid, no-frills experience.